« الشبكات الاجتماعية و التحولات السياسية في العالم العربي »

« نشرت هذه المداخلة في كتاب أشغال الملتقى الدولي 2012 بتونس حول:

« الاتصال السياسي في العالم العربي وإفريقيا »

المقاربات وآليات الممارسة

بجامعة منوبة _تونس_

عنوان المداخلة:

« الشبكات الاجتماعية و التحولات السياسية في العالم العربي »

من اعداد:

د. العربي بوعمامة.

أة. بن عمار سعيدة خيرة.

جامعة مستغانم _الجزائــــــــــــــــر_

_مقدمة:

شهدت المنطقة العربية مؤخرا، حراكا سياسيا لم تشهده المنطقة منذ زمن بعيد، مس مجموعة دول عربية تمثل في سقوط انظمة الحكم الواحدة تلوى الأخرى و كانت البداية من تونس الى مصر فليبيا، في حين انه النظام السوري لازال في عملية شد و جذب مع الشعب، يقاوم في ارادته رافضا التنحي عن السلطة.

مجموعة التغيرات هذه التي عرفتها المنطقة العربية، انطلقت في البد من احتجاجات شبانية توسعت الى ان أصبحت تشمل  كل فصائل المجتمع، و ما جمعهم أكثر هو اشتراكهم في نفس المشاكل و القضايا و الهموم.

قبل هذا كانت تدور حوارات و نقاشات في مختلف مواقع الشبكات الاجتماعية هي التي مهدت لهذه الاحتجاجات ،حيث أتاحت هذه الشبكات للأفراد حرية التعبير و حرية الطرح، أين اصبح هو القائم بالاتصال في هذه الفضاءات، وهو الذي يصنع المحتوى الإعلامي في الفضاء الالكتروني، و هو الذي يطرح القضايا و يعالجها محاولا ايجاد حلول لها.

سوف نحاول من خلال هذه الدراسة، معاجلة موضوع: »دور هذه الفضاءات الالكترونية أو الشبكات الاجتماعية الرقمية في هذه التحولات الحاصلة في بعض دول الوطن العربي، من خلال معرفة دوافع التغيير و دور الشبكات الاجتماعية الرقمية في هذا التغيير.

_اشكالية الدراسة:

منذ ظهور الانترنت كشبكة عالمية يمكن القول انها مرت بمرحلتين أو بجيلين، حيث كان الجيل الاول من الانترنت يتمثل في وضع مضامين ثابتة في الانترنت يمكن للمستخدم الاطلاع عليها دون مشاركتها أو التعليق عليها أي كانت المواقع الالكترونية بدون ديناميكية، وبعد ظهور تطبيقات الويب 2.0 أو دخول الأنترنت جيلها الثاني، سمح بظهور بيئة تواصلية جديدة لمستخدمي الانترنت حيث أصبح بالإمكان ليس فقط مشاركة محتويات و مضامين الانترنت و انمّا حتى المساهمة في انتاج هذا المحتوى الرقمي من خلال مختلف تطبيقات الويب 0.2 المتمثلة في الويكي، المدونات، الشبكات الاجتماعية …..الخ.

حيث أصبحت هذه الأخيرة اليوم من أهم فضاءات التواصل بين أفراد المجتمع، لمّا تتيحه من امكانية للتعارف و التواصل و كذا من حرية في التعبير، و طرح اراء متعددة عن قضايا مختلفة تهم الرأي العام المحلي و العالمي.

و يعتبر الشباب من بين فئات المجتمع الأكثر الفئات على هذه المواقع (مواقع التواصل الاجتماعي)، حيث وجد فيها متنفسه، لطرح انشغالاته و ارائه و افكاره و تصوراته بكل حرية و بدون قيود، ولم يتوانى في طرح حتى القضايا الشائكة المتعلقة ببلده و ما يدور حولها من قضايا فساد و رشوة… الخ.

مكنّت هذه الفضاءات الالكترونية المستخدمين من المشاركة و التفاعل مع المحتويات المطروحة في بعض الصفحات و المواقع، هذا ما خلق هذا تجاوب بين الكثير من المستخدمين حول قضايا معينة و خلق في احيان اخرى تعاطف مع قضايا اجتماعية « كقضية البوعزيزي » التي فجرت الثورة في تونس مثلا، فبدأت تظهر وقتها العديد من الصفحات المنددة احيانا لقضايا معينة، و المساندة في احيان اخرى لمختلف الأحداث التي كانت تجري وقتها.

كل هذه العوامل ساعدت على سرعة انتقال الاخبار و تداولها من مستخدم الى آخر، و كذا سرعة التفاعل مع الاحداث من طرف المستخدمين بتغطية ما يجري من احداث حولهم في كل وقت، شكل هذا حركية غير عادية و التفاف غير عادي حول هذه القضايا، نتيجة الشحن الذي كان يصنعه مدراء هذه الصفحات الفيسبوكية أو كما يسمون « قادة الرأي الجدد »، حيث انتقل هذا الحراك من العالم الافتراضي الى العالم الواقعي، و كان قد ولد ما ولّده من سقوط انظمة حاكمة و تغيير أنظمة اخرى.

و هنا تلاشى دول وسائل الاعلام التقليدية في ظل القيود المفروضة عليها، حيث أنه لم يعد هناك فضاء متاح للتعرض للقضايا التي تهم المجتمع و أفراده عدا فضاءات الانترنت، التي سمحت هي الاخرى بظهور اشكال جديدة من الصحافة التي سميت الصحافة البديلة أو صحافة المواطن و التي اهتمت بقضاياه و مشاكله.

هنا اتجه الاعلام التقليدي الى اعتماد مواقع الشبكات الاجتماعية في تغطية الاحداث التي جرت، خاصة في بداية تحركات الشارع العربي(تونس، مصر، ليبيا)، و في الوقت الذي كان الاعلام التقليدي هو الذي يصنع الرأي العام أصبح في ظل وجود هذه المواقع التواصلية مجرد ناقل للتغيرات و الأحداث و أصبحت هذه الشبكات الاجتماعية بمثابة نشاط تكميلي لأنشطة الاعلام الكلاسيكي، حيث فتحت العديد من القنوات الفضائية الاخبارية خاصة مواقع لها حتى يتم التواصل مع الاشخاص من قلب الحدث و الاعتماد عليهم في نقل الاخبار و الاحداث الآنية و اصبح الاعتماد كلية في الاعتماد على مصادر الأخبار من الانترنت.

 هنا يمكننا طرح التساؤل التالي: هل الشبكات الاجتماعية ساعدت على التحولات السياسية التي شهدتها بعض الدول العربية؟.

سنحاول معالجة هذه الاشكالية من خلال التطرق الى النقاط التالية:

1_تعريف الشبكات الاجتماعية.

2_خصائص الشبكات الاجتماعية.

3_ دوافع التغيير في العالم العربي,

4_دور مواقع التواصل الاجتماعي في الحراك السياسي في العالم العربي.

1_تعريف مواقع الشبكات الاجتماعية: تعرف الشبكات الاجتماعية الرقمية على أنها:

_ »مجموعة من المواقع على شبكة الانترنت، ظهرت مع الجيل الثاني للويب  تتيح التواصل بين الافراد في بيئة مجتمع افتراضي يجمعهم حسب مجموعات اهتمام أو شبكات انتماء(بلد، جامعة، مدرسة، شركة) ».[1]

_يعرف زاهر راضي مواقع التواصل الاجتماعي: » منظومة من الشبكات الالكترونية التي تسمح للمشترك فيها بإنشاء موقع خاص به، و من ثم ربطه عن طريق نظام اجتماعي الكتروني مع اعضاء اخرين لديهم الاهتمامات و الهوايات نفسها ».[2]

_و هذا ما تميزت به مواقع التواصل الاجتماعي، حيث انها تستطيع تجميع اكبر عدد من المشتركين لديهم نفس الاهتمامات و التوجهات، و كانت البداية من مجموعات شبانية تهدف الى تنظيم عمليات خيرية حيث استطاعت هذه الاخيرة تنقل عملها و خططها من العالم الافتراضي الى ارض الواقع، و نجاح مثل هذه التنظيمات الخيرية تطور الى تنظيمات رياضية، ثقافية، اجتماعية، و حتى سياسية، هذه الاخيرة كان لها الدور الابرز في الظهور نتيجة اشتراك جميع الاعضاء و المستخدمين ضد  الانظمة المستبدة و الدكتاتورية و كذا صعوبة الاوضاع التي كان يعيشها الوطن العربي، هذا ما ساعد على تجميع اراء اغلب المشتركين و التفافهم حول هدف واحد هو الحرية و الديمقراطية و لو افتراضيا و من ثم الوصول الى تغيير الوضعية.

و نتيجة الوسائط التي تتيحها هذه الشبكات من صور فيديو و تقنيات اخرى تسهل عملية وصول الاخبار و انتقالها بسرعة من منطقة الى اخرى في ظرف ثواني ممّا يساعد على التفاعل مع الاحداث فوريا نجد من يعرف مواقع الشبكات الاجتماعية على أنها : »صفحات الويب التي يمكن ان تسهل التفاعل النشط بين الاعضاء المشتركين في هذه الشبكة الاجتماعية  الموجودة بالفعل على الانترنت و تهدف الى توفير مختلف وسائل الاهتمام و التي من شانها تساعد على التفاعل بين الاعضاء ببعضهم البعض و يمكن ان تشمل هذه الميزات (المراسلة الفورية، الفيديو، الدردشة، تبادل الملفات، مجموعات النقاش، البريد الالكتروني، المدونات).[3]

هذا بخصوص التعريفات المقدمة حول مواقع التواصل الاجتماعي اذ تتفق جميع التعريفات في نقطة واحدة ألا و هي التفاعل بين المستخدمين على اختلاف انواع هذه الشبكات الاجتماعية.

منها ما تهتم بالصورة و منها من يهتم بالفيديو و اخرى تهتم بالنصوص و منه نطرح التساؤل التالي: فيما تتمثل هذه الأنواع؟.

2_انواع مواقع الشبكات الاجتماعية:

_يمكن ان نقسم الشبكات الاجتماعية الى:

_شبكات شخصية أو محلية خاصة بأشخاص معينين: هذه الشبكات تقتصر على مجموعة من الاصدقاء و المعارف و التي تعمل على التواصل الاجتماعي فيما بينهم بجميع الاشكال حيث يتم اتاحة ملفات الصور الشخصية و المناسبات الاجتماعية فيما بينهم بشكل منتظم للتواصل و عمل حياة اجتماعية من خلال هذه الشبكات و هذه المواقع عديدة و كثيرة.

_شبكات خاصة بفئات موضوعية معينة:

هذه الشبكات نشأت لتجميع بعض المهتمين بموضوعات بعينها مثل المهتمين بالطب و الهندسة و شبكات مهتمة بالكتب و المكتبات مثل Library thing  أو شبكات شاركت في التعليم عن بعد لبعض المدارس و شبكات ثقافية مختلفة.

_شبكات مهنية:

ظهرت و انتشرت مثل هذه الشبكات في الاونة الاخيرة لتواجه البطالة و اجتياح دول العالم لتنشيط العمل و استخدام هذه التقنية المتطورة لخلق بيئة عمل و بيئة تدريبية مفيدة و حرفية و استقبال سير ذاتية للمشتركين مع استقبال طلب توظيف من جانب الشركات، و تقدم خدمات على مستوى المهن المختلفة و غيرها و اشهر هذه الشبكات Linked In .[4]

اضافة الى هذا التصنيف هناك من يصنف مواقع التواصل الاجتماعي حسب ما تقدمه من خدمات او كمواقع تهتم بالصورة مثل موقع Flikr و اخرى تهتم بالفيديو كاليوتيوبYoutube ، و لكن الفيسبوك حقق اكبر نسبة استخدام من طرف الافراد في جميع انحاء العالم، و هذا يعود ربمّا الى ما يشمله من تطبيقات متنوعة  و خدمات مختلفة من صور، فيديوهات، نصوص، مجموعات، صفحات….الخ.

و من خلال هذه التصنيفات يمكننا القول أن الشبكات الاجتماعية تمكن  المستخدم من أن يتحدث الى اناس مشابهين له من حيث المصالح و الانتماء الديمغرافي، كما  يستطيع المستخدم ان يتحدث مع اكثر من شخص في وقت واحد، اضافة الى حرية التعبير الذاتي عن الاهتمامات و الاراء[5] التي توفرها هذه الشبكات.

_ان نجاح هذه الشبكات الاجتماعية لم يأت عبثا بل هو ناتج عن مجموعة خصائص و ميزات و خدمات توفرها هذه الشبكات للمستخدم.

 فيما تتمثل هذه الخصائص؟.

3_خصائص مواقع الشبكات الاجتماعية: تتيح مواقع التواصل الاجتماعي الخصائص و الميزات التالية:

المشاركة: فهي تشجع على المساهمات و ردود الفعل (التعليقات) من أي مهتم، و تلغي الحد الفاصل بين وسائل الاعلام و المتلقين.

الانفتاح: معظم شبكات التواصل الاجتماعي عبارة عن خدمات مفتوحة لردود الفعل و المشاركة و تبادل المعلومات و التعليقات، و نادرا ما يوجد حواجز أمام الوصول الى المحتوى و الاستفادة منه.

المحادثة: تعتمد شبكات التواصل الاجتماعي على المحادثة باتجاهين، بعكس وسائل الاعلام التقليدية التي تعتمد مبدأ بث المعلومات و نشرها باتجاه واحد لجميع المتلقين.

التجمع: تتيح شبكات التواصل الاجتماعي امكانية التجمع بسرعة و التواصل بشكل فعال و يربط تلك التجمعات اهتمامات مشتركة مثل حب التصوير الفوتوغرافي، القضايا السياسية و غيرها.[6]

و أصبحت من مهام هذه الشبكات الاجتماعية هي اعطاء الكلمة لكل من يريد اسماع صوته للغير، الى كل مطالب بالحرية حيث سمحت بوضع الأفراد المهمشين و المجموعات في علاقة اتصال فيما بينهم، فهو لا ينفصل عن التنشيط الاجتماعي ، فهو لذلك يستهدف تفعيل تجارب الحوار ما بين الثقافات و الاثنيات التي تتعايش و تتصادم و تتجاهل بعضها البعض.

كما تركز الشبكات الاجتماعية هذه على حرية الرأي و التعبير و لكن كفاعل منتصر لا كفاعل منهزم أي كفاعل ايجابي انفلتت افكاره و مواقفه من سلطة الرقابة. [7]

لقد ساهمت هذه الخصائص في تشكل مجتمع افتراضي يتسّم بالمرونة و انهيار فكرة الجماعة المرجعية بمعناها التقليدي، فالمجتمع الافتراضي لا يتحدد بالجغرافيا بل بالاهتمامات المشتركة التي تجمع معا اشخاصا لم يعرف كل منهم الاخر قبل الالتقاء إلكترونيا، ولم تعد تلعب حدود الجغرافيا دورا في تشكيل المجتمعات الافتراضية فهي مجتمعات لا تنام، حيث يستطيع المرء أن يجد من يتواصل معه على مدار الساعة و من توابعها انها تنتهي الى عزلة، على ما تعد به من انفتاح على العالم و تواصل مع الآخرين و الملاحظ في المجتمعات الافتراضية انها لا تقوم على الجبر أو الالزام بل تقوم في مجملها على الاختيار.

_في المجتمعات الافتراضية وسائل تنظيم و تحكم في قواعد تضمن الخصوصية و السريّة، قد يكون مفروضا من قبل القائمين و قد يمارس الافراد أنفسهم في تلك المجتمعات الحجب أو التبليغ عن المداخلات و المواد غير اللائقة أو غير المقبولة، فهي اذا فضاءات رحبة مفتوحة للتمرد و الثورة بداية من التمرد على الخجل و الانطواء و انتهاء بالثورة على الانظمة السياسية.

و تنتهي  المجتمعات الافتراضية  الى تميّزها بدرجة عالية من اللامركزية أي تفكيك مفهوم الهوية التقليدي و لا يقتصر تفكيك الهوية على الهوية الوطنية أو القومية بل يتجاوزها الي الهوية الشخصية.[8]

طبعا الحرية التي تمنحها الشبكات الاجتماعية الرقمية للمستخدمين بنشر افكارهم و ارائهم مهما كانت و كيفما كانت هذا ساعد في التعرض للكثير من المواضيع التي كانت من قبل تحكى و تناقش في دوائر ضيقة فلا الاعلام الكلاسيكي يتعرض لها و لا الندوات و الجمعيات تناقشها.

4_دوافع التغيير في العالم العربي:

تشكل نسبة الشباب في العالم العربي في المرحلة العمرية من 15 الى 29 سنة أكثر من ثلث سكان المنطقة يعانون التهميش و الاقصاء الاجتماعي و التمييز، فالشاب بطبيعة الحال يكون في مرحلة يسعى فيها الى الاستقرار و تكوين الذات يسعى فيها الى عمل مستقر و بيت و مرتب …الخ لكن وضعية المجتمعات العربية لم تسمح بتوفير هذا نتيجة انتشار الفساد، مما ادى الى انتشار البيروقراطية نتيجة ضعف التسيير في دول العالم العربي و عوامل اخرى جعلت الوضع على هذا الحال، هذا ما جعل الشباب في قوقعة نتيجة القيود المفروضة على عليهم في المجتمع من عدم السماح لهم بالتعبير عن ارائهم بحرية و عدم ممارسة الديمقراطية و لا تكوين احزاب أو جمعيات سياسية و لا المشاركة السياسية و لا التظاهر و المطالبة بحق من حقوقهم أو المطالبة بعدالة اجتماعية في توزيع فرص الشغل …الخ.

_المشاكل التي يواجهها أفراد المجتمعات العربية و الشباب خاصة: من بطالة و قيود و عدم التساوي في توزيع فرص العمل و انتشار الفساد و الرشوة و اتساع الهوة بين الغني و الفقير. حيث ترتفع مستويات البطالة الى 25 % بين الشباب مقارنة بالمتوسط العالمي 14,4% في اوساط الشباب المتعلم الحاصل على تعليم عالي حيث يمثل الشباب المتعلم نسبة 90%  من الشباب المتعطل عن العمل في العالم العربي.[9]

_انعدام الحريات السياسية: بالرغم من تباين أشكال الأنظمة السياسية في الدول العربية، إلا أن استشراء عدوى الرفض الشعبي ينم عن تفسير أساسي مفاده تشابه الأنظمة العربية في افراز ذات وضعيات قهر الشعوب، و تغول السلطة و اشتداد بأسها و التلاعب، فالعصف بحقوق و حريات المواطنين دون ايلاء طرف عناية بتطلعات و أمال الشعوب العربية التي انهكها استخفاف الحكام بها، ثم كبح جماح مطالبها و اسقاطها في مستنقع الجري وراء لقمة العيش بفعل استنزاف ثروات البلدان و تهريبها في شكل ارصدة في البنوك الخارجية أو تحويلها الى استثمارات في شركات احتكارية متعددة الجنسيات تلعب على مصيدة رهن السيادة الوطنية مقابل تأمين التزود بالمواد الغذائية الأساسية أو الأودية التي يرتبط بها حفظ الصحة العمومية.[10]

_اضطهاد الانظمة العربية للرأي العام: تقوم الانظمة العربية باضطهاد الرأي العالم و اضطهاد الحريات بمنع الفرد من الحق في المشاركة السياسية و عدم السماح له بالتظاهر مطالبة بحقوقه و كذا عدم السماح للعديد من الجمعيات السياسية من أن تنشط بشكل عادي و وضعها تحت مراقبة و قيود و بالتالي الشباب لا يجد منفسه في هذه الدول و هو بحاجة دائمة الى أن يسمع صوته للآخر.

 و نتيجة لهذه القيود ظهر في الاونة الاخيرة نمطان رئيسيات للتغيير في المنطقة، النمط الاول يقوم على نجاح حركات ذات طابع عرقي أو طائفي أو ديني في تحدي سلطة الدولة المركزية كما حدث في السودان و النمط الثاني يقوم على نجاح حركات احتجاجية ذات طبيعة افقية لا مركزية تجمع بين فئات مجتمعية و سياسية مختلفة في اسقاط النخب الحاكمة من خلال تعبئة شعبية واسعة النطاق كمّا حدث في مصر و تونس.[11]

_اتحاد القوة المطالبة بالتغيير: ان تراكم المشاكل و تعالي صوت المطالبة بالتغيير سمح بظهور العديد من الجهات تسعى و تطالب بالتغيير من نقابات عمالية و مهنية الى قوى المعارضة الى حركات شبابية انتفاضية الى أخرى تعود الى عوامل طائفية عرقية دينية كما هو الحال بالنسبة الى مصر، لبنان، البحرين اليمن و رغم اختلاف طبيعة هذه الحركات و التنظيمات إلا انه تشابهت مطالبها الى حد بعيد حيث تم التركيز على العدالة و الحرية بعيدا عن الاختلافات الطائفية و العرقية.

حيث أدركت الشعوب العربية أن حركات المجتمع المدني بمختلف أشكالها سواء الاحزاب السياسية النقابات و الجمعيات لا يمكنها أن تحرك ساكنا مقابل تمسك الحكام بالسلطة و عدم السماح لأي كان أن ينازعهم الملك أو يزاحمهم في الحكم.[12]

5_دور مواقع التواصل الاجتماعية في الحراك السياسي في العالم العربي:

ان مواقع التواصل الاجتماعي يعود تواجدها في المجتمعات الغربية من سنة 2005 تقريبا و في الوطن العربي من سنة  2008 و مع ذلك لم يشهد الوطن العربي تغيرا و لا مطالبة بالتغيير خلال بداية الاستخدام لهذه الشبكات حيث كان الارتياد على هذه الشبكات قليل أو بالأحرى شبه منعدم.

و بلغ عدد مستخدمي الفيسبوك في العالم العربي مطلع 2010 حوالي 26 مليون مستخدم، هذا العدد ارتفع مع اندلاع الثورات الى 36 مليون مستخدم و هو ما يوضح أهمية و دور هذا الوسيط التواصلي الذي تحول الى تقنية ثورية بامتياز[13] حيث اتيحت الفرصة للكل و بدون استثناء الحرية في التعبير عن رأيه و الحرية حتى في المشاركة في هذه الاحتجاجات أو لا دون قيود و دون ضغوطات.

و يمكن ان نجمل الدور الذي لعبته الشبكات الاجتماعية في التغيير من خلال النقاط التالية:

_ظهور قنوات اتصال جديدة: حين ظهرت شبكات التواصل الاجتماعي  سمحت بممارسة ديمقراطية افتراضية عن طريق تجمع مجموعة من الشباب لهم نفس الاهتمامات و يتقاسمون نفس الانشغالات و القضايا و المشاكل، و ذلك عن طريق تكوين صفحات فيسبوكية و مجموعات انترنتية و كذا مدونات و فضاءات الكترونية للتعبير عن قضاياهم و مشاكلهم بكل حرية و بدون قيود، في الوقت الذي كانت غائبة عنه السلطات تماما عن ما يمكن ان تحققه هذه الشبكات الرقمية من تجسيد حقيقي على ارض الواقع لمطالب الشباب بالتغيير و كذا نتيجة القيود المفروضة على وسائل الاعلام التقيليدية من صحافة، اذاعة و تلفزيون ….الخ كان الفضاء الالكتروني هو المتنفس الوحيد لهم حيث لجئوا الى استخدام الفضاء الالكتروني و المواقع الاجتماعية لتأسيس حركات احتجاجية شبابية أصبحت محركا مهما للتغيير في العديد من الدول العربية.

_دمقرطة المعرفة و الاتصال: فالانترنت لعبت دورا هاما في الانتشار السريع للمعلومات و الأخبار و أصبحت هذه الفضاءات الالكترونية الحرة ساحة مفتوحة للحوار و لتبادل الاراء و كذا العمل على التقريب بين الناس و الجمع بين الأفكار و الطموحات و الرغبات الاجتماعية دفع هذا الناس الى اجتراح طرق للتعبير عن ارائهم في حرية تامة بعيدا عن الطابوهات و أشكال القمع الذاتية و الجماعية و بعيدا عن الرقابة و المنع، خاصة بالنسبة للأفراد المحرومين من حرية التفكير و التعبير و المراقبين يوميا في أنماط التواصل بينهم، اي في مجتمعات تسلطية و استبدادية لا تعترف للمرء بحقه في المواطنة و هو ما يحدث الان في الصين و روسيا و في العديد من البلدان العربية.[14]

_ غياب الرقابة على هذه الشبكات الاجتماعية حيث فتحت  شبكة الانترنت مجالا واسعا لنقل المعلومات بشتى صورها و مضامينها المتنوعة و سمحت أيضا بأن تستخدم الصور و الفيديوية لأغراض النشر الالكتروني للمعلومات و المعرفة، و بخاصة الصحافة المكتوبة و أضحى الانتساب الى هذه الشبكة و التعامل مع امكاناتها  الواسعة عملا يسيرا، اذ يمكن أن يقف المستخدم في أحد أطراف الشبكة ليدخل على منظومتها الواسعة، و ليتبادل المعلومات و الاراء مع كل من يتعامل مع برامجها، و هكذا بدأ اعلام اخر يرتبط باستخدام تقنية الانترنت و أضحت هذه الوسيلة التواصلية ميدانا مفتوحا و حرا لتبادل الاراء و المواقف بين المشتركين، حتى عادت الرقابة التقليدية على مختلف الوسائل السمعية_البصرية عاجزة نسبيا على منع تدفق الاراء و المعلومات، و لم يعد بذلك للرقيب الاعلامي (التدخل الحكومي) اية سلطة على حظر نشر مواد الشبكة لتكون في متناول المواطن اينما كان موقعه في العالم[15] و قد نستنج هنا ان الحكومات العربية لم تكن على قدر من المعرفة بما توفره هذه الشبكات و لم تلاحظ تزايد عدد المستخدمين فيها و ما يتم تنظيمه من خلال هذه الشبكات حيث كانت البداية بتنظيم اعمال خيرية و نقلها الى ارض الواقع و انتهى الامر بتنظيم حركات احتجاجية.

_اتجاه القوى المعارضة الى استخدام الشبكات الاجتماعية  من هنا جاء توظيف كل قوى المعارضة السياسية و غيرها التي لا تستطيع أن تملك وسائلها الاعلامية العلنية أو تحصل على موقع لنشر مواقفها على وسائل الاعلام التقليدية لإمكانات شبكة الانترنت من اعادة رسم خريطة جديدة للصراع و التنافس السياسي و الاعلامي فقد تشكل فضاء اعلامي جديد مازالت امكاناته في دور التطور، و مازال اللاعبون الأساسيون فيه يعملون من اجل فتح منافذه و توسيع أطره.

_بروز قادة رأي جدد لهم منابرهم الاعلامية و تقنياتهم الخاصة لحشد الجماهير و تعبئة الأفراد، للخروج الى المظاهرات و الاعتصامات في ساحات « التحرير » و في الشوارع و الجامعات و الأماكن العامة، لقد أصبح هؤلاء الشباب المستعملون لوسائل الاتصال الجديدة يشكلون الرأي العام في بلدانهم و حتى على المستوى الدولي، من خلال ما ينقلون من تسجيلات مصوّرة، و ما يكتبونه في المدونّات، حتى أصبحت وسائل الاعلام التقليدية تعتمد على ما ينقلونه من فيديوهات و تسجيلات كمادة أساسية في تغطياتها لهذه الأحداث[16] و هذا ما لاحظناه في الكثير من القنوات الفضائية الاخبارية و التي قامت بدمج نشاطات المواطن الهاوي لنقل الاحداث ضمن مساحات الكترونية سمحت بها لأي مواطن بان يرسل اي مقطع فيديو او صورة عن اي حدث في بلده، كما تسمي قناة فرانس 24 هذا النشاط ب »مراسلون » حيث نجدهم يتوزعون عبر كافة بقاع العالم و في اي مكان قد لا يكن بإمكان اي مؤسسة اعلامية ان توفر فيه مراسلون لتغطية ما يجري هناك.

و في هذا الصدد يقول  المفكر العربي الدكتور عزمي بشارة: » أن مواقع التواصل كان لها تأثير كبير في ثورة تونس لكنه رفض التهويل من تأثيرها و قال لو جلس الجميع على الفيسبوك لما قامت الثورة  لقد أصبح كل من لديه فيسبوك يظن أن له دورا كبيرا في صناعة التاريخ …هذه المواقع قامت فقط بدور التعبئة الايديولوجية في الثورات ».

_و أعرب تشارلي بيكيت مدير مركز بوليس للأحداث في لندن عن أهمية مواقع التواصل الاجتماعي في تجميع الناشطين و التنسيق بينهم و لكنه رفض القول بأن تكون هي من خلقت الثورة.

و قال بيكيت: »مواقع التواصل الاجتماعي على الانترنت لا تخلق ثورات، بل يخلقها الفقر و الغضب و الحكام المستبدون، لكن في هذه الحالات شاهدنا كيف عملت مواقع التواصل الاجتماعي على الانترنت على تنظيم الناس و الترويج للرسالة، و كانت وسيلة للهجوم على من هم في السلطة، و لإبلاغ العالم الخارجي أن الناس هنا غاضبون و متحمسون، لذلك اعتقد أن مواقع التواصل الاجتماعي على الانترنت كانت فعالة بصورة ملحوظة في وقت قصير جدا ».[17]

و يرى الكاتب كايد القصاصي: »أن الفيسبوك و مواقع التواصل الاجتماعي قد لعبت دورا هاما في تشكيل الرأي العام و تحريك الشعوب، فاستعمالها تناغم مع الوسائل الحديثة و التقرب من شريحة واسعة من الشباب التي تستخدم مواقع التواصل الاجتماعي و استثمار قدرات و طاقات الشباب ايجابيا لانخراط أوسع في القضايا الوطنية الملتهبة، فالعالم يتحدث عن الفيسبوك و اليوتيوب و هي وسائل اجتماعية للتواصل بين الناس، و هذا دلالة واضحة على أن الذي يجري اليوم هو شيئ مختلف تماما عمّا هو مألوف و هذه فقط البداية ».[18]

 فما جرى هو نتاج عوامل تفاعلت مع بعضها لتنتج لنا تغييرا بأسلوب لم يعهده عالمنا العربي من قبل و غير أنماط حياتهم مضيفا عليها مزيدا من التفاعل و التواصل.[19]

_من خلال هذه التحليلات نجد انه الكل يتفق على أن مواقع التواصل الاجتماعي لم تكن سبب رئيسي في قيام هذه الثورات و لكنّها ساهمت بشكل كبير فيها و ساعدت على قيامها من خلال مساعدتها على تجميع الشباب الانتفاضي و تنظيم صفوفهم و توحيد اهدافهم.

نتائج الدراسة:

_مكنت الشبكات الاجتماعية الشباب العربي من ممارسة ديمقراطية افتراضية.

_اتاحت الشبكات الاجتماعية للفرد العربي حرية الرأي و حرية التعبير.

_ساهمت الشبكات الاجتماعية بشكل كبير في تنظيم صفوف المحتجين و المتظاهرين.

_ساعدت الشبكات الاجتماعية على توجيه الرأي العام الى الالتفاف هدف واحد مشترك و موحد بينهم ألا و هو تغيير النظام.

_الحكومات العربية لم تدرك اهمية و خطورة هذه المواقع الالكترونية.

_لعبت الشبكات الاجتماعية دور وسائل الاعلام التقليدية من خلال تناولها الاعلامي للتظاهرات و كذا نشرها للصور و الفيديوهات التي كانت من تسجيل المواطنين.

Votre commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l’aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google

Vous commentez à l’aide de votre compte Google. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l’aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l’aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s